سيد محمد طنطاوي

436

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وجاء قوله - تعالى - * ( فَهُوَ الْمُهْتَدِ ) * بصيغة الإفراد حملا على لفظ * ( مَنْ ) * في قوله * ( ومَنْ يَهْدِ اللَّه ) * وجاء قوله : * ( فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ ) * بصيغة الجمع حملا على معناها في قوله : * ( ومَنْ يُضْلِلْ ) * . قالوا : ووجه المناسبة في ذلك - واللَّه أعلم - أنه لما كان الهدى شيئا واحدا غير متشعب السبل ، ناسبه الإفراد ، ولما كان الضلال له طرق متشعبة ، كما في قوله - تعالى - : ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه ناسبه الجمع « 1 » . ثم بين - سبحانه - الصورة الشنيعة التي يحشر عليها الضالون يوم القيامة فقال : * ( ونَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ ، عُمْياً وبُكْماً وصُمًّا . . ) * . والحشر : الجمع . يقال : حشرت الجند حشرا . أي جمعتهم . وقوله : * ( عَلى وُجُوهِهِمْ ) * حال من الضمير المنصوب في نحشرهم . وقوله : * ( عُمْياً ، وبُكْماً وصُمًّا ) * أحوال من الضمير المستكن في قوله * ( عَلى وُجُوهِهِمْ ) * . أي : نجمع هؤلاء الضالين يوم القيامة ، حين يقومون من قبورهم ، ونجعلهم - بقدرتنا - يمشون على وجوههم ، أو يسحبون عليها ، إهانة لهم وتعذيبا ، ويكونون في هذه الحالة عميا لا يبصرون ، وبكما لا ينطقون ، وصما لا يسمعون . قال الآلوسي ما ملخصه : قوله - تعالى - : * ( نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ ) * إما مشيا ، بأن يزحفوا منكبين عليها . ويشهد له ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس قال : قيل لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : كيف يحشر الناس على وجوههم ؟ فقال : « الذي أمشاهم على أرجلهم ، قادر على أن يمشيهم على وجوههم » . . وإما سحبا بأن تجرهم الملائكة منكبين عليها ، كقوله - تعالى - : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ويشهد له ما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم - وصححه - عن أبي ذر ، أنه تلا هذه الآية . * ( ونَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ ) * فقال : حدثني الصادق المصدوق صلى اللَّه عليه وسلم أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج فوج طاعمين كاسين راكبين ، وفوج يمشون ويسعون ، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم . وجائز أن يكون الأمران في حالين : الأول : عند جمعهم وقبل دخولهم النار ، والثاني عند دخولهم فيها . . .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 649 .